.
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالمجموعاتدخول
اتصل بنا

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» هل تراجع جان بول سارتر عن بعض من أعماله الفلسفية والمواقف السياسيةقبيل مماته؟ بيني ليفي.
الإثنين نوفمبر 05, 2018 10:49 am من طرف كمال صدقي

» الفلسفة في برنامج مختفون
الإثنين نوفمبر 05, 2018 10:46 am من طرف كمال صدقي

»  الجهوية الفلسفية وعوائق التفلسف.
الإثنين نوفمبر 05, 2018 10:44 am من طرف كمال صدقي

» الفلسفة البيئية كلحظة من لحظات تطور الفلسفة.
الإثنين نوفمبر 05, 2018 10:38 am من طرف كمال صدقي

» تدريس الفلسفة من زاوية مسكوت عنها
الإثنين نوفمبر 05, 2018 10:32 am من طرف كمال صدقي

» كيف تحضر الفلسفة كمادة تدريسية؟
الإثنين نوفمبر 05, 2018 8:32 am من طرف كمال صدقي

» في نقد الحاجة إلى الفلسفة.
الثلاثاء أكتوبر 23, 2018 10:26 am من طرف كمال صدقي

» مشروع تمرين في/ على التفلسف. ما شروط أرضنة ا
الثلاثاء أكتوبر 23, 2018 8:39 am من طرف كمال صدقي

»  الأشكلة في منهاج 1996، وامتداداتها في التوجيهات التريبوية 2007
الإثنين مايو 21, 2018 9:41 am من طرف كمال صدقي

» مدى تعدد مرجعيات الدرس الفلسفي.
الثلاثاء أغسطس 22, 2017 12:46 pm من طرف كمال صدقي

مواقع صديقة

سحابة الكلمات الدلالية
وجود الحق الضرورة مجزوءة هسرل معرفة الحقيقة قيمة الكلي الرغبة الحقيقي الشخص الغير الشغل الدولة الفن الطبيعي التاريخ البشري مفهوم والحرية جذاذة نصوص الوضع الفلسفة الطبيعة

شاطر | 
 

 من تجليات ومسار الأشكلة في الدرس الفلسفي.

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
كمال صدقي
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 2345
العمر : 63
البلد : أفورار
العمل : متقاعد مُهتم بالدرس الفلسفي
تاريخ التسجيل : 20/12/2007

مُساهمةموضوع: من تجليات ومسار الأشكلة في الدرس الفلسفي.   الإثنين نوفمبر 18, 2013 10:14 am

بالفعل مسألة الأشكلة من القضايا العويصة ديداكتيكيا، وهذا راجع إلى غياب التفكير الجدّي في عمق المطلوب من المدرسين لحظة الطرح الإشكالي. سأكتب اولا بخصوص منبع الإشكال وفي فرصة لاحقة عن مسار الأشكلة.
يمكنني تلخيص وجهة نظري من خلال التساؤلات التالية:
1- إلى أيّ حد يمكن الحديث عن أشكلة موضوعية خاصة بكل محور لا محيد عن الانزياح عنها ، وهي في جوهرها مُتعلقة برهان كل محور، وهذا الرهان هو الذي يؤسس لمضامين الحقل الاستفهامي من دون التجنّي عن " مقصد " المحور في طرحه للإشكال. كمثال: إذا سلّمنا جدلا بأن المحور الأول من مجزوءة الوضع البشري:الشخص والهوية، يدعونا إلى التفكير في " أساس" الهوية الشخصية"، فصياغة الأشكال لا يُمكن أن تخرج عن هذا الرهان أو المقصد، بحجة أنه في كتاب الرحاب، نجد أن جون لوك بدأ في نصه بما يُشبه جملة شرطية تتضمن سؤالا قد يكون مدخلا للطرح الإشكالي العام للمحور والنص أيضا.يقول جون لوك:" لكي نهتدي إلى ما يُكوّن الهوية الشخصية، لابد لنا أن نتبيّن ما تحتمله كلمة شخص من معنى." هل يمكن اعتبار أن جون لوك يتساءل عن : ماهو مكوّن الهوية الشخصية؟ أما بالنسبة لنص شوبنهاور، فهو يبدأ بسؤال مباشر : على ماذا تتوقف هوية الشخص؟ بالمحصلة أليست إشكالية المحور بادية من خلال مفهومي : المُكوّن، وتتوقّف. أساس؟
2- بالنسيبة لكتاب التلميذ المباهج، فالأمر مختلف،لآن هذا الكتاب نهج تقليدا مغايرا من خلال طرح الإشكال في مُقابل عنوان المحور ، من قبيل: هل تقوم هوية الشخص على الوحدة والتطابق أم على التعدد والتغير؟ أعتقد أن هذا الإشكال فيه لبس، ويتمثل في الخلط بين كون الهوية لها أساس واحد في مقابل من يقول أن لها مُكونات متعددة( فرويد ،إدجار موران)،وبين الأساس والوحدة والتطابق.فالهوية في تعريفها هي تطابق مهما كان أساسها، ومن ثمة طريقة صياغة الإشكال بها غموض، سأناقش تجلياته في فرصة قادمة.نعم قد يتعلق الإشكال بوجود أساس واحد، وقد عمد كل من ديكارت ولوك وشوبنهاور إلى استعمال هذه العبارة" وهو وحده يكوّن هوية الشخص" لكن المسألة تختلف بالنسبة لفرويد وإدجار موران اللذن يعتبران هوية الشخص " بنية " وككل بنية هي تتكون من عناصر متفاعلة ومن الصعب القول إن هذا المُكوّن دون غيره هو وحده "أساس " هوية الشخص" ، بخلاف كل من ديكارت ولوك وشوبنهاور....وعيب القول بأساس واحد هو إقصاءه لمكوّنات هي جزء من الذات الإنسانية.إذن عناصر الطرح الإشكال " ثاوية " في رهان المحور ومن خلال النصوص التي يتم توظيفها.
3- أما بخصوص كتاب المنار، فهذا الكتاب يُعتبر كبوة بيداغوجية لم تنل حقها من النقد، لأسباب كثيرة...مثلا بالنسبة لطرحه لإشكال المحور، نلاحظ غموضا يظهر في الخطاطة بالصفحة 15،مع وجود أخطاء معرفية ما كان لها أن توجد أصلا. مثال. يظهر من النصوص الثلاث أن الأمر يتعلق بتحديد أساس هوية الشخص: ديكارت، لوك، مونيي، بحيث نستشف من عناصر الخطاطة ملامح الإشكال، وهي احتمال وجود أساس واحد ووحيد لدى الفلاسفة الثلاث وهي " الفكر"!!!! هكذا سيفهمه التلميذ لحظة الاشتغال على نصوص الكتاب المدرسي في البيت(واسمحوا لي بتركيزي على الكتب المدرسية لسبب بيداغوجي، مع علمي أن بعض المدرسين يتجاوزون كتاب التلميذ ويجتهدون وفق روح التوجيهات التربوية،مع نصوص أخرى، ولكن الكتب المدرسية مادة للأشتغال ليس إلا)حضور أساس الفكر عند ديكارت باعتباره " الفكر بما هو مجرد!!!!" والصحيح " الفكر بما هو جوهر وطبيعته التفكير.....وعند لوك " الفكر بها هو إحساس" !!!!!والصحيح الفكر بما هو شعور بالذات بأنها هي نفسها، أي" العينية" la mémeté وهذا هو أساس الهوية الشخصية، فالذات بفعل الشعور بذاتها تستعمل الذاكرة تكتشف أنها هي عينها....بالنسبة لموني " الفكر بما هو روح" بالفعل ولكن كان من الأفيد الحديث عن " التشخصن"...
بالمحصلة لا يُمكن صياغة طرح إشكالي من دون حدس رهان المحور ومقاصده بالعلاقة مع النصوص التي من المحتمل أن تجيب عن الإشكال، وهذه الإجراءات هي التي ستحدّد مسار الأشكلة فيما أعتقد، وهي خلافية بالضرورة، بحجة الصياغة التناوبية للطرح الإشكالي من دون إغفال أن الأشكلة ورهاناتها تصبّ في النهاية في مساءلة وجود التلميذ ووضعه كبشر.ؤبالتالي ليس من المقبول " ليّ" عنق المحور لينسجم مع إشكالات النصوص، بل العكس هو الذي يجب أن يحصل، وهذه قضية يجب التداول فيها.بمعنى:
يتعلق الأمر بتحديد أسئلة الإشكالية من خلال النصوص المرفقة بالمحور، وبالتالي يتم صياغة الإشكال من خلال "قدّه" على مضامين النصوص، ومن خلال فلسفة صاحب النص!!!!!.على سبيل المثال، المحور الثاني : الشخص بوصف قيمة. نجد في كتاب الرحاب، نصين لكل من كانط وغوسدروف، مع العلم أن رهان المحور نابع من الإشكال التالي: من أين يستمد الشخص قيمته؟ سيُقدّ الإشكال على كانط" هل من العقل الأخلاقي (مصدر داخلي) وعلى غوسدروف (أم من المجتمع.)
وحين يتعلّق الأمر بفلاسفة آخرين سيتم " قدّ" الإشكالات قياسا على الموقف الفلسفي للفيلسوف. السؤال هل هذا مقبول؟وهل لهذا تأثير على مطلب وحدة الإشكالية بالنسبة للتلاميذ المقبلين على إمتحان وطني؟
وأخيرا هناك مُعضلة أخرى تتعلق بمدى الانسجام بين ما نطرح من إشكالات، وبين تعريفنا للشخص.من الشائع أن تعريف الشخص ينصبّ على تحديدين مركزين هما ،:
1- الشخص هو الذات الواعية بإنّيتها كذات عاقلة (وما مدى دور الحواس والحدس.) وبالآخر(الله، العالم الطبيعي، الناس الآخرين)
2- هذه الذات مسؤولة عن أفعالها طبقا لقاعدتين: أخلاقية وقانونية.( وهكذا تنفتح مجزوءة الوضع البشري على باقي المجزوءات)
السؤال، كيف الانتباه إلى عدم الوقوع في تعارض بين هذا التعريف للشخص، والذي يجعله من شروط ومحددات الوضع البشري، وبين ما يطرح الفلاسفة ومفكري العلوم الإنسانية وعلوم بيولوجيا الأعصاب من أسئلة وقضايا شائكة؟هل رهاننا من طرح الإشكالات هو الوصول إلى ما به يتحدد الوضع البشري، أم نحيّر ونشوّش على عقول التلاميذ بوهم أن القضية شائكة وصعبة ومعقدة و.....والسؤال في الفلسفة أهمّ من الجواب...والمهم هو الاطلاع على الاختلاف بين الفلاسفة...وبين حجاجهم ...ومن الصعب تحديد مَن هو الشخص (باسكال مثلا، مع أن هذا الأخير يجد الحل في الديانة المسيحية من خلال الرجوع إلى الله..) أو بحجة أن الإشكالية ، بخلاف المُشكلة، ليس لها حلّ،وبالتالي لا نطمع في حلّ نهائي للإشكالية، لآن الفلسفة لا تنحو نحو الاستقرار الفكري بل الفلسفة هي المُضي في الطريق ...والأشكلة هي قطار البحث عن الحقيقة.....!!!! أخاف من سوء توظيف هذه "الخصوصية الفلسفية" ليقع لنا ما وقع لثوار الربيع العربي، نُكثر من الضجيج الفكري..بينما آخرون يُرابدون على تخوم الفلسفة ينتهزون فُرصة بلبلة تفكير التلاميذ فلسفيا، ليقطفوا زهرات عقولهم من خلال منهج التلقين والوعظ والإرشاد... ونحن في أحلامنا الأفلاطونية هائمون،وبالمُثل(البيداغوجية و الديداكتيكية) مُفتنون، بينما غيرنا بالواقعية متسلحون،وبالبراجماتية يحصدودن ما يفشل فيه الآخرون.
هذا هو واقع الحال. صدق ألتوسير حين قال : الفلسفة صراع طبقي على مستوى النظرية.أقول هذا لآن العالم العربي والمغرب بالخصوص بصدد تحوّل جذري، والآتي أصعب ، وعلى الدرس الفلسفي أن يكون يقظا ومتتبعا لما يجري.هناك مستجدات نوعية، وعلينا أن نتكيف مع المُستجد، ومن المطلوب إعادة النظر في مرجعية الأشكلة ورهاناتها وطريقة انبنائها من خلال انفتاح الدرس على واقع التلاميذ، فمجزوءة الوضع البشري تخصّه لآنها تُسائل شروط وجوده هو أولا،في أفق فتح الدرس الفلسفي على معيش التلميذ، وهذا من مطالب التوجيهات التربوية: الخروج من الكهف ...والفلسفة ذاتها ليست في منآى من السقوط فيما تنتقده.!!!!
( بعض القضايا للاستئتاس والنقاش في زمن الاقتباس و" التهباش")
يؤسفني غياب التفاعل مع ما يُقدّمه بعض السادة الأساتذة من اقتراحات حول الدرس الاقتتاحي لمادة الفلسفة بالمنتدى. والقضية المعروضة للمناقشة هي كالتالي: هل من الأفيد أن يمتلك التلميذ تصورا برهانات وأبعاد المجزوءة، وكذا رهانات المفاهيم من باب التعاقد الفكري بين المدرس والتلاميذ، وفي أفق وضع التلاميذ في الصورة، بمعنى لَمّ ما يُمكن أن يُشكّل تجزيئا وشتاتا تيميا، قد يُعبق فهم التلاميذ لمُختلف التعالقات : أولا بين المجزوءات، وثانيا بين مفاهيم كل مجزوءة على حدة؟
ومن ناحية أخرى أعمدُ خلال تحليل ومناقشة إشكالات المفاهيم، عَرْض نماذج من الامتحان الوطني،بصيغه الثلاث، والمرتبطة مباشرة بقضايا المحور، حتى يكون التلميذ على علم بالعلاقة الضرورية بين بناء الدروس والكتابة الإنشائية،بحيث نقف عند كل محور ونُخبر التلاميذ بصيغ الامتحان الوطني، حتى يستطيع الجمع بين المعرفة الفلسفية وإشكالاتها، والكتابة الفلسفية في الإنشاء الفلسفي.وهذه العملية يجب أن تبدأ منذ الحِصّة الأولى، وليس الفصل بين إنجاز الدروس، والتدرّب على الإنشاء الفلسفي من خلال تقديم وصفات جاهزة!!!!.من هذا المنطلق، سيتم تعويد التلاميذ على تذوّق الكتابة الفلسفية للفلاسفة من خلال نصوصهم مباشرة. ولهذا السبب من المطلوب أن تكون ملخصات الدروس في البكالوريا عبارة عن كتابة متكاملة أي على شكل مقال فلسفي يمتح من طرائق نصوص الفلاسفة، أشكلة ومفهمة وحجاجا ، بدل التجزيئ وفق منهجيات المقاربة التي تأتي على شكل عناوين من قبيل:
1- سؤال النص.
2- القضية المطروحة للتفكير.
3- مفاهيم النص المؤسسة للأطروحة.
4- الأطروحة.
5- الحجاج
6- تقييم ومناقة النص........إلخ وهكذا نسقط في النمطية والاجترار.)ربما كان هذا جائزا مع الجذوع المشتركة والأسدس الأول للأولى بكالوريا.
هذه الإجراءات التجزيئية يجب أن تندمج في إطار كتابة مُنظمة على شكل نصوص متكاملة الدلالة، كأفق للتميذ بخصوص الكتابة الفلسفية.
لنأخذ كمثال، طريقة كتابة ديكارت وجون لوك وشوبنهاور، ونطرح السؤال: بأيّة عُدد ديداكتيكية نجعل التلميذ يعي شروط الإبداع الفلسفي من خلال احتكاكه بالنصوص الفلسفية:
لنرجع أعلاه في نفس هذه الصفحة للاطّلاع على طريقة كتابة كل فيلسون بخصوص أساس الهوية، ومنتساءل ما هي الإجراءات الديداكتيكية التي من شأنها الوقوق على إمكانية استفادة التلميذ من الكتابية الفلسفية وتوظيف شكلها وروحها في الإنشاء الفلسفي ـ بالطبع مع حرية التلميذ في الإبداع.
مشروع تحليل نص" جون لوك" الهوية والشعور". كتاب في رحاب الفلسفة. السنة الثانية من سلك الباكالوريا.ص 15
*- من المتعارف عليه أن تعدد القراءات لا يتنافى مع مقصد صاحب النص المتجسّد في أطروحة عمل على إنتاجها انطلاقا من سؤال إشكالي محدد وواضح، وضمن قضية موضوع التفكير، الأمر الذي سيترتب عنه موقف فلسفي هو رهان كل قراءة في النهاية، وهو ما تعمل الكتب التجارية على تقديمه للتلاميذ كملخص لموقف الفيلسوف من القضية موضوع المحور..
لكن التجربة الفصلية لها خصوصيتها وتميزها لأنها هي المحك الحقيقي لقراءة التلميذ لنص فلسفي هو في حقيقته تشكيل مقالي ومعرفي لا ينفصلان في إنتاجهما للدلالة مثل شفرتي المقص لحظة القطع..نُلقتُ الانتباه هنا إلى طريقة اشتغال الفيلسوف على اللفة الطبيعية، على اعتبار أن أول ما يُواجهه التلميذ هو لغة النص التي تبدو له مُعقّدة وغاية في الغموض. ومردّ هذا في نظري إلى استمرار شيوع بعض جيوب أسطورة : لا يجب تحليل النص الفلسفي تحليلا أدبيا!!!! وإن كان في هذا الحكم تحقيرا لمادة الأدب التي يُريد الحكم السابق التبرّؤ منها.لكن الكفايات الممتدة أو المستعرضة، وحضور الفلسفة في مادة الأدب وحضور إنتاجات أدبية في مادة الفلسفة...طرح إمكانية "التناص المنهجي " مع احتفاظ كل منهما بخصوصيته المقالية والفكرية وبالتالي لا أتصور استبدال البعد العقلي للفلسفة بالبعد التذوقي والجمالي للأدب، مع أن امتياز الفلسفة هو مُساءلة مفهوم الأدب والجمال ذاته وليس فقط إنتاجه، وهو نفس الدور الذي تقوم به الفلسفة تُّجاه العلم والدين...
كل قراءة فلسفية تستهدف ( حسب هنري بينا رويز) تحديد موقف فلسفي تجاه قضية، هذا الموقف يتضمن حكما ( يجب تبريره والمُحاججة عليه)ويُجيب عن سؤال إشكالي محدد.
بداية ما هو الإشكال الذي يُجيب عنه صاحب النص؟ وانطلاقا من أي موقف فلسفي ( كعامل مساعد على فهم مقاصد الكاتب في بنائه لموقفه / أطروحته؟ ما هى المفاهيم المركزية والأخرى المتفرّعة عنها المؤسسة لنسيج الأطروحة؟ وأخيرا كيف يكون الحجاج ثاويا ومُرافقا لعملية بناء الموقف الفلسفي من القضية المطروحة؟
هذه مجرّد خطوط عامة قد تُساعد التلميذ على الدخول في مغامرة تحليل النص مع الاعتراف بأن غايتنا من النص ليس هي بالضرورة نفس غايات التلاميذ الذين تكون لهم تمثلات مقصدها في النهاية نفعيا مرتبط بالامتحان الوطني وليس مع الأسف تثقيفي وتكويني دون التنقيص من المقصد الوظيفي المرتبط بالامتحان الوطني .
أقترح نهج القراءة الخطية في بداية السنة الدراسية بسبب التصاقها بالنص مباشرة، مع أن القراءة التفاعلية هي الأفيد وتتماشى مع الطبيعة التناوبية والإشكالية والمؤسسة لتعدد المنظور الفلسفي كاختلاف مشروع ينفتح على رهانات وإمكانات رحبة، وإن كان هذا التعدد بين الفلاسفة يُربك التلميذ، بخلاف شيه الاتفاق بين العلماء بخصوص بعض الظواهر العلمية داخل مجال إبستيمي محدد قبل ظهور مُستجدات تؤسس لحقائق أخرى...
حينما يقرأ التلميذ أول جملة من النص :" لكي نهتدي إلى ما يُكوّن الهوية الشخصية، لابد لنا أن نتبيّن ما تحتمله كلمة شخص من معنى."في نظري يجب الوقوف عند الأدوات المفالية المؤسسة لقصدية الخطاب ( مع الأسف نقف على هذه الأدوات المقالية لحظة الحجاج فقط، مع أنها هي ذاتها ثاوية في عملية بناء الكاتب للمعنى).( نُلفتُ الانتباه إلى الأدوات المقالية باللسان العربي ليست هي نفسها في اللغة الإنجليزية، مع العلم أن النص مترجما..)فحرف " كي " المقرون بلام التعليل، حرف مصدرية ونصب للاستقبال.إذن صاحب النص سيعمل على تعليل وجود شيء بشيء آخر. المطلوب من التلميذ استخراج ما يرومه مُستقبلا صاحب النص يروم التحقّق من ماذا؟. بداية تعليل ما يُكوّن الهوية الشخصية رهين بتعدد معنى معنى الشخص. والرابط المؤسس للتعليل في " لكي" هو " لابُدّ "، بمعنى : لامحالة.
إذن البحث عن مفهوم الهوية الشخصية مرتبط أولا بتحديد مفهوم للشخص ضمن احتمال تعدد معانيه.السؤال : حدّد المعنى الذي أورده الكاتب بخصوص مفهوم الشخص كمدخل لتحديد ما يُكوّن الهوية الشخصية.؟
ننتقل إلى الجملة التالية:"فالشخص، فيما أعتقد كائن مفكّر عاقل قادر على التعقل والتأمّل، وعلى الرجوع إلى ذاته باعتبارها أنها مُطابقة لنفسها، وأنها هي نفس الشيء الذي يُفكّر في أزمنة وأمكنة مُختلفة." ما هي الإجراءات الديداكتيكية التي من خلالها نُقنع التلميذ أن هذه العبارة تتضمن أطروحة النص والحاملة لمفهوم " الهوية الشخصية؟ ما هي الأسئلة البيداغوجية الملائمة لمساعدة التلميذ على تفكيك الحمولة المفاهيمية المُكثّفة التي تزخر بها هذه العبارة؟ وأخيرا كيف السبيل الديداكتيكي لإرشاد التلميذ إلى استخراج مفاهيم تُكمّل بناء الأطروحة في صياغتها الأخيرة: من مثل مفاهيم : الشعور والفكر والإحساسات والجوهر، ومفهوم " الذاكرة" الغائب لفظا والحاضر معنى من خلال حضوره في مفاهيم :الماضي،يبقى هوهو، تمتد الهوية وتتسع..
أكثر من ذلك سنواجه معضلة المفهوم المركب كما طرحه جيل دولوز، على اعتبار - مثلا- أن مفهوم المطابقة في الجملة الثانية من النص يتعالق في المعنى مع مفهوم " هو نفس الشيء" والمفهومان معا يدخلان مع المفهوم الضمني الغائب لفظا" العينية "la Mêmeté ،بالرغم من تغير الأزمنة والأمكنة.المشكلة هنا تكمن في التمييز بين " هوية الأشياء" التي تنطبق عليها " العينية " والقريبة من مفهوم " الجوهر"الذي يظل محافظا على ماهيته، والهوية الذاتية "التي تتغير وتبقى في نفس الوقت عينه محافظة على ذاتها بالرغم من مرور الزمان.. - بتعبير بول ريكور- السؤال كيف نُلفتُ انتباه التلميذ إلى طريقة بناء جون لوك لمفهوم الهوية الشخصية من خلال كثافة المفاهيم التي وظفها..وكل هذا بالعلاقة مع مفهوم " الوعي بالذات" مع التذكير بالفرق بين هذا المفهوم عند لوك وعند ديكارت، حتى لا يقع التلاميذ ضحية الخلط بين نفس المفاهيم لدى مختلف الفلاسفة.ثم ما هي الأمثلة التي أوردها جون لوك ليُبرهن على قضية " العينية" باعتبارها هي ذاتها الهوية الشخصية المتمثلة في الوعي بنفس الذات مهما اختلفت الأمكنة والأزمنة.(يمكن استحضار أمثلة من متن النص الكلي)،وبالمحصلة النهائية كيف نجعل التلميذ يُموضع نفسه بالعلاقة مع مفهوم الهوية الشخصية كما أسسه " جون لوك"؟ ما هي الوضعية المناسبة لجعل التلميذ يتحسسّ فعليا افتراض لوك حتى يستطيع الحكم عليه، ما دام الطرح "اللوكي" يتعلق أساسا بذات إنسانية ا،لتلميذ أحد تجلياتها.
لنصل في النهاية مع التلميذ إلى تحديد مفهوم الشخص والهوية الشخصية، وما هي القيمة الفلسفية لموقف جون لوك من هذا التحديد (عيوبه ونقط قوّته).وما دلالة حضور موقف شوبنهاور كنص مُعارض لأطروحة جون لوك.

في أفق تأصيل تجربة تعليم التلاميذ أن يقرؤوا النص قراءة فلسفية، يُطرح السؤال بخصوص وضعيات القراءة داخل الفصل ، والتساؤل عن المراحل الديداكتيكية التي تسبق ما أصبح رائجا من تلخيصات تُقدّم للتلاميذ جاهزة، وفي بعض الأحيان تكون مُتعلقة بفلسفة الفيلسوف في منحاها العام!!! (دون الارتباط بمنطوق النص وطريقة بنائه لمفاهيمه وحجاجه،)بالرغم من تعدد التوجهات الفلسفية للفيلسوف الواحد بحجة أنه يكتب في حقول معرفية متعددة، ويُخضع تفكيره" للتجريب الفلسفي"، في أفق تطويره سواء تعلق الأمر بكتابات الشباب أو كتابات النضج، أو تعلق الأمر بمُراجعة فلسفية مع مواقف سابقة تبيّن لاحقا أنها لم تعد تتماشى مع ما يطرحه حاضر الفيلسوف من إشكالات. فالتصحيح ليس مُتعلقا بالعلم وحده فالخطاب الفلسفي نفسه قد يخضع للمراجعة والتنقيح والتطور والانفتاح على الممكن...( ونتذكر نقد أفلاطون نفسه لكثير من العيوب المنطقية لنظريته في المثل..وماركس في كتابه مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي مقارنة مع مخطوط حول الإيديولوجية الألمانية..بخصوص نظرية الانعكاس...)لهذا من الأفضل مواجهة لغة النصوص مباشرة واعتبار فلسفة الفيلسوف مجرد دعامة تخدم وظيفية النص بالعلاقة مع إشكال المحور.وهذه القضية قابلة للنقاش طبعا.
كيف نجعل التلميذ يواجه إثباتات النص التي تتعالق فيما بينها مُؤسسة لموقف صاحب النص من القضية المعروضة كمشكلة، ودور التلميذ هو اكتشاف ما يٌقال وما هو نقيضه، وما موقف التلميذ من جدلية الطرح ونقيضه..الطريق الأفضل لجعل التلميذ يُمارس القراءة الفلسفية هو إعطاؤه فرصة التدرب على التعامل مع الأهداف النواتية الثلاث :
1- تحديد المشكل الذي يطرحه صاحب النص، وبأية طريقة يتم طرحه؟
2- كل مشكل يترتب عنه تفكير في القضية موضوع المشكل، الأمر الذي يُفضي إلى بناء أطروحة، هنا المطلوب من صاحب النص الحجاج عن موقفه تجاه القضية موضوع التفكير.
3- لا تفكير بدون مفاهيم يتجسد من خلالها مُحتوى الأطروحة.
قراءة نص فلسفي داخل الفصل يتطلب إعادة إنتاجه من قبل عمل جماعي تتقدمه أسئلة بيداغوجية واضحة ودقيقة تعمل على تفكيك مختلف إثباتات النص وإعادة بنائها وفق سياقه داخل إشكالية المحور..
يمكن تجاوزا اعتبار أن النص يُجيب عن مشكل يتعلق بطريقة إدراك الذات لذاتها وللعالم، ودور هذا الإدراك في تحديد هوية الشخص، بمعنى ما به يكون الشخص هو هو. والحالة هذه ما يكون به الشخص بالنسبة لصاحب النص ليس في النهاية سوى الهوية الشخصية كنتيجة لتضافر مجموعة من المحددات يتقدمها شعور الشخص بأفعاله الخاصة، بحجة أنه كائن مفكر عاقل .وهذا الشعور هو في النهاية القدرة على التعقل والتمثل.
قد نجعل التلميذ يعي المشكل من خلال المثال التالي: كيف تُبرّر أنك نفس الشخص حين تُشاهد صورة لك من الماضي البعيد وتقول: هذا أنا؟.على أيّ أساس حكمتَ أنك نفس الشخص بالرغم من تغيّر الزمان والأمكنة.
على التلميذ أن يكون قادرا على فهم :
*- أن القضية – موضوع التفكير- تتجسّد في مُساءلة الهوية الشخصية- ليس باعتبارها معطى بديهيا كما يعتقد عامة الناس: أنا الموجود في الصور لمّا كنتُ طفلا وانتهى الأمر- بل كمشكل قد نختلف حول ما الذي من خلاله تنوجد الهوية الشخصية، بمعنى علي أي أساس اعتمدت حتى قرّرتُ أنني نفس الشخص. وبالتالي المشكل الذي يُحاول صاحب النص الإجابة عليه يتعلق أساسا بالبحث عن ما يُكوّن الهوية الشخصية.هذه مناسبة لجعل التلميذ يبحث في ذاته عن ما الذي يجعله يحكم بأنه نفس الشخص بالرغم من التمرحل الزمني والتيه والترحال في المكان. السؤال كيف نجعله يندهش من قبوله أنه هوهو دون مساءلة قبوله بهذا الحكم.هنا نترك للمدرسين إبداع أسئلتهم البيداغوجية المتعلقة بطرفي القضية أعلاه: الهوية ومُكوّنها.
*- تتشكل دلالة الفقرة الأولى عبر تدرج استدلالي في بناء الفكرة، بحيث تترابط البنية المفاهيمية مع الحجاج انطلاقا مما هو عام وصولا إلى ما هو خاص. الإنسان مالك لهوية شخصية، السؤال : كيف تشكّلت؟كما بينا في الحصة أعلاه، كيف أن صاحب النص صرّح بأطروحته في الفقرة الأولى،وسيعمل على إعادة صياغتها والفصل فيها في الفقرة الثانية .
يُمكن والحالة هذه مُطالبة التلاميذ باستخراج البنية المنطقية لكلا الفقرتين حتى يتمكّن من إدراك ما يرومه صاحب النص، أو يُمكن تتبع تبنيُن المفاهيم والحجاج في أفق فهم قصد صاحب النص ومدى التزامه بالمشكل المطروح. والحالة يبدو أن المكوّن الأساسي للهوية الشخصية هو شعور الذات بأفعالها الخاصة. السؤال ما هي هذه الأفعال الخاصة؟ أولها رجوع الذات إلى ذاتها عن طريق التأمل والتعقل، ثانيا لتكتشف أنها مُطابقة لنفسها، بمعنى أنها هي نفس الشيء الذي يُفكر ( في الفقرة الثانية : وتُحسّ أيضا) في أزمنة مختلفة. نعم كان مفهوم الشعور في الفقرة الأولى المكوّن الأساس، شريطة تحديد علاقته التضايفية مع الفكر...بجحة أنه لا يمكن للشخص أن يفكر دون أن يشعر أنه يدرك إدراكا فكريا.( من الأفضل عدم إرهاق التلميذ بخلفية هذه العلاقة حسب سياق المتن الأصلي ( نظرية المعرفة) الذي يُعتبر النص جزءا منه، لأننا لسنا بصدد تأريخ لفلسفة الفيلسوف، بقدرما نحن بصدد قضية إشكالية تتعلق أساسا بالاعتراف بوجود هوية ولكن يوجد اختلاف حول ما به تكون الهوية كهوية).
في الفقرة الثانية سيُعطي صاحب النص لمفهوم الشعور مساحة أوسع في تكوين الهوية الشخصية. ومن إثباتات الفقرة الثانية، يُقدّملنا صاحب النص مفهومه للإنسان في بُعديه الحسي والعقلي المُترابطين لحظة الإدراك أو المعرفة : نعرف/ نسمع...نُحس/ نتأمل.... ارتباط المعرفة بالإحساسات والإدراكات الراهنة....إن فعل المعرفة من خلال ترابط الحس والعقلي ، هو مدخل لمعرفة الذات أنها هي ذاتها بالنسبة إلى ذاتها. فهي تُفكّر وتُحس، لكن شريطة شعورها بذلك، مادام صاحب النص لا يفصل حصول الشعور عن عملية التفكّر والتأمّل، بل الشعور هو ما يُعطي لعملية الفكر شرط مصداقيتها. هذا الاقتران الضروري سيُصدر بشأنه صاحب النص حكم الأطروحة الأساسي : فإن ذلك هو وحده ما يُكوّن الهوية الشخصية.
إن الحكم " وحده " قطعي ولا مجال فيه للاحتمال، لهنا كان عنوان النص في كتاب التلميذ غيرّ موفّق: الهوية والشعور.وهونفس العنوان التالي لنص شوبنهاور: الهوية والإرادة.(الهوية بين الشعور والعينية من خلال الذاكرة. الهوية وإرادة الحياة في بعده الكونب..هذه هي العناوين الصحيحة وقد نختلف بخصوص الصياغة اللغوية) ولكن عوض أن يتلقى التلميذ العناوين كمعطى عليه بمعية المدرس أن يتابع طريقة بناء صاحب النص لهذه العلاقة، وتتبّع مسار تفلسفه: أشكلة ومفاهيميا وحجاجيا.
يمكن الوقوف لحظة من أجل تقويم تكويني نُساعد من خلاله التلميذ على استيعاب عملية بناء صاحب النص للإشكال، من مثل: لماذا تم الربط بين ما يُكوّن الهوية الشخصية وما تحتمله كلمة الشخص من معنى؟هل بالفعل قدّم صاحب النص معنى أو معاني للشخص، أذكرها؟ بأي معنى اعتبر صاحب النص أن الشعور وسيلة وحيدة، بيّن لماذا؟ ما هو مضمون : وحيدة : هل هي عملية الشعور ذاتها أن نتيجته، كون الشخص ههو بالرغم من تماسف الحاضر مع الماضي:أي العينية؟ أذكر مختلف المبررات التي تمّ تقديمها للربط بين حقيقة أن ذات الشخص هي نفس الشيء الذي يفكّر في أزمنة مختلفة؟ وحدد ما الذي يقصده بتمدّد الهوية الشخصية؟.....
نرجع إلى الحكم " وحده "وفي الفقرة الأولى الوسيلة الوحيدة...ونطرح السؤال: ما مدى هذا الشعور؟ وهل يتعلّق فقط بإدراكاتنا الراهنة؟ بالطبع لا يُجيب صاحب النص.إن الشعور يمتدّ بعيدا( من الحاضر تجاه الماضي) ليصل إلى الأفعال الماضية، وهذا ما سمّاه صاحب النص : امتدادا لهوية في الزمن الماضي لتكتشف الذات الحاضرة أنها نفس الذات الماضية..بالرغم من تماسف (من المسافة) بين الماضي والحاضر.
يمكن أن نقف عند الجملة الأخيرة من النص لأهميتها الكبيرة في استجلاء حقيقة الهوية الشخصية كامتداد شعوري في الزمن يؤسس لوجود ثابث ليس هو بالضرورة جوهرا كما في الفلسفات التقليدية ( ويمكن الدخول في تفاصيل مفهوم الجوهر عند جون لوك وكيفية حضور دلالته في نسقه الفلسفي وإن كان هذا سيُرهق فكريا التلميذ) تقول الجملة الأخيرة :" فالذات الحالية هي نفس الذات التي كانت حينئذ، وذلك الفعل الماضي إنما صدر عن الذات نفسها التي تدركه في الحاضر." . هل هذه الفكرة تغمز ضمنيا لمفهوم الذاكرة من خلال قطبي الزمن الحاضر والماضي، وذلك من خلال أن الذاكرة إدراك في الزمن الحاضر لفعل من الماضي،وبالتالي ألسنا أمام إمكانية تحويل الماضي إلى ذاكرة في الحاضر، من خلال حضوره في الحاضر، إذ تستحضره الذات وتتعرّف على ذاتها من خلال شعورها أنها هي ذاتها. هل من الممكن أن صاحب النص أراد أن يقول إن الهوية، باعتبارها ما به يبقى الشيء هوهو،حيث تتعلّق بالذات ( وليس بالأشياء كسفينة تحطّمت لقرون وأعدنا تركيبها بنفس أجزائها، لتعود هي كما كانت أم أنّ الكائن الحي مختلف؟.)، تتجسّد كشعور واع بكونها أنها حافظت على وحدتها وبقائها دائمة بالرغم من " تماسف " distanciation الحاضر مع الماضي،وبالتالي تطابقها مع ذاتها من خلال شعورها كونها هي هي ، هو المكوّن الأساس للهوية الشخصية؟
لحظة التقويم الإجمالي، يمكن مُساءلة أصل المشكل المطروح وكيف أجاب عنه صاحب النص.وما دام المحور الإشكالي متعلق بالشخص والهوية، من حيث أن الهوية هي ما به يكون الشخص شخصا، فيمكن والحالة هذه التساؤل عن إمكانية أخرى تتعلق ب " مكوّن "هويّة الشخص. قد نستحضر موقف ديكارت من مقرر السنة الماضية المتعلق بمجزورة : ماالإنسان؟ ومُساءلة ما اعتبره ديكارت مُكوّن هوية الشخص، ومقارنته بالمكوّن الذي دافع عنه جون لوك، وترك الاختيار للتلاميذ في الحكم على مدى قوّة الخطابين،ومن أقنعهم أكثر. شخصيا اشتغلت على نص ديكارت في مجزوءة ما الإنسان ،وقابلته بنص دافيد هيوم، الأمر الذي سيُسهّل المأمورية على نفس التلاميذ الذين أنا بصدد تدريسهم اليوم ودرّستهم في السنة الماضية،في فهم قضية الخلاف حول مُكوّن هوية الشخص. والنصان هما كالتالي:
يقول ديكارت:
" ماذا كنت أظنني من قبل؟كنت أظنني إنسانا بلا شك ، ولكن ما الإنسان؟.. أنا واجد أن الفكر هو الصفة التي تخصني ، وأنه وحده لا ينفصل عني.. أنا كائن، وأنا موجود: هذا أمر يقيني، ولكن إلى متى؟ أنا موجود مادمت أفكر، فقد يحصل أني متى انقطعت عن التفكير تماما انقطعت عن الوجود بتاتا. ولكن أي شيء أنا إذن؟ أنا" شيء مفكر". وما الشيء المفكر ؟... فالتفكير ليس سوى وعيي المباشر (حدس) بنفسي ... إنه شيء يشك ويتصور ويثبت وينفي ويتخيل ويحس أيضا... لقد عرفت أني جوهر ذاته وطبيعته التفكير، ولا يحتاج في وجوده إلى مكان ولا يخضع لشيء مادي ...وعلى هذه الصورة " الأنا " أو " النفس" التي هي أساس ما أنا عليه متميزة تمام التمييز عن الجسم."..أنا أفكر إذن أنا موجود.( ر. ديكارت. التأملات)
يردّ عليه دافيد هيوم:
" هناك بعض الفلاسفة الذين يظنون أن لدينا في كل ّحين شعورا حميميا بما نسميه" أنا "، وأننا نحس بوجوده وباستمرار وجوده،وأننا متيقّنون من هويّته وبساطته التامّين يقينا أكثر من ذاك الذي يكون بواسطة البرهان.. أما من جهتي فإني عندما أتوغّل في أعماق ما أسميه" أ " أصطدم دائما بهذا الإدراك الخاص أو ذاك بالحرارة أو البرودة أو بالنور أو بالظلام وبالحب أو الكراهية و بالألم أو اللذة. فلا يمكنني أن أعقل نفسي (أنا) في أية لحظة من دون إدراك ما، ولا يمكنني أن ألاحظ إلا الإدراك. فعندما تزول إدراكاتي الحسية لمدة من الزمان، مثلما يكون ذلك بالنوم الهادئ فإن شعوري(بأناي) يزول طيلة النوم. ويمكن القول حقا بأني لست موجودا. فلو كانت جميع إدراكاتي قد زالت بالموت، وكنت لاأستطيع أن أفكر ولا أن أحس و لا أن أرى ولا أن أحب ولا أن أكره بعد تحلل جسمي،فإنني أكون قد غبتُ تماما، وأني لا أتصور شيئا أكثر من هذا ليجعل مني عدما بحثا.( دافيد هيوم. منقول من الشامل في الفلسفة.محمد سبيلا وآخرين.ص 11)
عد قراءة النص، نعمل على استخراج سؤال النص. قد يكون صريحا كما في نص شوبنهاور: الهوية والإرادة، والمتمثل في :على ماذا تتوقف هوية الشخص؟ أما في نص جون لوك فيجب تحويل بعض الإثباثات إلى صيغة استفهامية من مثل : لكي نهتدي إلى ما يُكوّن الهوية الشخصية...تم الإثبات التالي: ووسيلته الوحيدة لبلوغ ذلك هو الشعور..والإثبات الثالث : فإن ذلك هو وحده ما يُكوّن الهوية الشخصية أو ما يجعل كائنا عاقلا يبقى دائما هو هو..هذه الإثباتات تسمح للتلميذ باستخراج سؤال النص منها، وفي لحظات أخرى يمكن استحراج الأطروحة منها...إذن سؤال النص الأساسي هو : ما هو المكوّن الوحيد للهوية الشخصية؟ويمكن المقارنة بين سؤال لوك وسؤال شوبنهاور(على ماذا تتوقف هوية الشخص؟). ويمكن صياغة السؤال الإشكالي بطريقة تدرجية: إذا كان الشخص يملك هوية(وبأي معنى يملك هوية)فما هو مكوّن هذه الهوية؟ ويمكن الانفتاح على خلفية مساءلة الهوية ذاتها قبل البحث فيما يؤسسها. فالوضع البشري غير مُعطى كما عند الحيوان، بل يتطلّب شروطا ومُحدّدات بدونها يفقد الإنسان شرط وجوده، ويمكن الاستشهاد بظاهرة الأطفال المتوحشون كما ناقشها لوسيان ماصون.لكن الأمر لا يتعلق بفهم التلاميذ لأهمية الهوية بالنسبة للبشر، ولكن أيضا ما هو الأساس الذي به تقوم عليه الهوية؟ وهنا أيضا يجب تبرير مشكلة الأساس أو المكوّن أو على ماذا يتوقف وجود الهوية، فالإنسان مركّب بالمعنى الذي يُعطيه " إدغار موران " لمفهوم التركيب، وما دام وجود اليشر معقّدا ومُركبا فمن الطبيعي أن تختلف منظورات الفلاسفة إلى أن هذا المكوّن هو: الشعور،أو الإرادة،أو اللاوعي، أوالشيء المفكّر...
بعد تحديد سؤال النص، تم الانتقال إلى الاشتغال على مختلف إثباتات النص الأساسية قصد فهم البنية المنطقية والحجاجية في نفس الوقت للنص.الرهان هو تعويد التلميذ على قراءة الفلسفي في النص، وتلمُس كيف ينتج صاحب النص المعنى ويُبدع مفاهيمه..

بالنسبة لنص شوبنهاور، على التلميذ أن يُدرك أن وظيفة النص تأتي في سياق تجلّي مفهوم الإشكالية، من منطلق أنها تطرح إمكانية التفكير في الإشكال من خلال أطروحتين أو أكثر بينهما مفارقة أو اختلاف أو تعارض كما أسلفنا.إذن يمكن اعتبار النصين (لوك وشوبنهاور) إجابتين مختلفتين لنفس الإشكال المطروح في محور : الشخص والهوية.وبالتالي أكيد أن بين المُقاربتين اختلاف.فإذا كان " جون لوك " قد حدد مُكوّن الشعور المقرون بالذاكرة هو أساس الهوية الشخصية، وبحجة أن عنصر الهوية المفروض فيه أن يكون ثابتا، يجعل الشخص يعي ذاته باعتباره هوهو، فشوبنهاور لا يختلف جوهريا في رهان السؤال وكون للهوية عنصرا ثابتا به تنوجد الهوية.الحجة في ذلك معطيين:الأول سؤال النص، وصيغته:على ماذا تتوقف هوية الشخص؟ الثاني أن مفهوم التوقّف يُراهن على نفس الهدف لمفهوم المُكوّن الذي تساءل عنه " جون لوك".بالنسبة للعنصر الثابت في الهوية، نجده عند شوبنهاور القائل:" فإنه رغم كل التحوّلات التي يحملها الزمن إلى الإنسان، يبقى فيه شيء لا يتغير، بحيث نستطيع بعد مضي زمن طويل جدا أن نتعرّف عليه... هذا العنصر الثابت الذي يبقى دائما في هوية مع دون أن يشيخ هو بعينه نواة وجودنا" إذن نحن أمام تحديد لما يُكوّن الهوية كحقيقة ثابتة. السؤال ما هذا الثابت الذي يُشكل هويتنا؟
إذن على التلميذ أن يُدرك القاسم المشترك بين النصين،- من خلال صياغة أسئلة بيداغوجية دقيقة من طرف المدرس- لكن السؤال فيما ذا يختلفان؟ بالطبع سيختلفان بخصوص هذا المُكوّن الثابت.فما هو هذا المكوّن الثابت عند شوبنهاور؟ وكيف نجعل التلميذ يتتبّع مسار بناء هذا الثابت فلسفيا؟
لقد قام شوبنهاور باستبعاد ما ليس هو الثابت بقوله في بداية النص:" ليس هو مادة الجسم، ويحاجج على هذا الحكم ( فإن هذه تتحدد في بضعة أيام)..وليس هو صورة هذا الجسم..( لأنه يتغير وفي أجزائه المختلفة) ثم ينتقل إلى ما يُشاع عند العامة عن هوية الشخص والتي تتمثل في الشعور المقرون بالتذكر لأحداث ماضية ( الذاكرة)... ويُحاجج شوبنهاور على رفضها كونها هي ما تتوقف عليها هوية الشخص. ويمكن مطالبة التلاميذ باستخراج الحجج التي يوردها صاحب النص في دحض ما يراه لا يشكّل هوية الشخص كما يُشاع عند عامة الناس..ويدافع عن أول فكرة في أطروحته المُقبلة بقوله:" ومع ذلك فإن هوية الشخص لا يفقدها هذا الاختفاء المستمر للتذكر." ( النسيان)
بعد هذه الجملة مباشرة يُعلن شوبنهاور على صريح أطروحته بالعبارات التالية:" إنها تتوقف على الإرادة التي تظل في هوية مع نفسها، وعلى الطبع الثابت الذي تمثله..؟ هذه العبارة يدل منطوقها ومفهوميها الأساسيين ( الإرادة والطبع) على بداية تقديم الجواب على سؤال النص.
لكنه في الفقرة الموالية يأخذ النص منحا آخر ( بسبب نقط الحذف بمعنى أن الآتي يفصله عن سابقه كثير من المواقف والآراء لا يعرفها التلميذ) ولكن منطوق عبارات الفقرة الأخيرة يطرح إشكالية جديدة تتعلق بمفهوم الذات العارفة، ليُحاول شوبنهاور دحض اعتبار الذات العارفة ( كما طُرحت عند ديكارت وهيجل مع اختلاف توجهاتهما بالطبع..) وكأن شوبنهاور يُلمّح إلى أن الذات العارفة ( ومرجعها العقل ) ليست هي ما يمكن اعتبارها أساس هوية الشخص، ويُحاجج على ذلك بالغفوة والاستغراق في النوم ( مشكلة الغياب وبالتالي الافتقاد إلى عنصر الثابت الدائم الحضور) ليحسم في النهاية كون الذات العارفة في عملية المعرفة" ليست هذه المعرفة سوى وظيفة للمخ، وليست هي ذاتنا الحقيقية"، وفي نهاية النص يقوم بتصريح واضح حول ما هذا الذي تتوقف عليه هوية الشخص، والتي يعتبرها" نواة وجودنا " يتمثل هذا التصريح في قوله:" أما هذه ، التي هي نواة وجودنا، فهي التي تختفي وراء الأخرى، وهي التي لا تعرف في قراراتها غير شيئين : أن تريد أو تريد"
هذا الإثبات الأخير يستدعي التساؤلات التالية:
1- من المؤكّد أن شوبنهاور يتحدث عن " الإرادة " باعتبارها ما تتوقف عليها نواة الوجود البشري، أي هي ما تُشكّل الأساس الثابت لهوية الشخص. لكن النص لا يتضمن تحديدا لمفهوم هذه الإرادة، والتلميذ لا يستطيع فهم ما الذي يميز هذه الإرادة عن باقي الإرادات التي تحدث عنها فلاسفة آخرون، أو عن الإرادة بمعناها الشائع.
2- - لا يُفصح النص عن كيفية خضوع كل من العقل والجسد لهذه الإرادة، وبأي معنى تختفي الذات العارفة وراء الأخرى ( وربما يقصد الإرادة ).
لهذه الأسباب من المفروض على المدرس أن يبحث عن نص لشوبنهاور يشرح فيه مفهومه للإرادة بشكل مباشر بدل إسقاط تعريف للإرادة بدون مشاركة التلميذ في قراءة ما يقوله شوبنهاور حقيقة حول الإرادة بنفسه.
يقول شوبنهاور في إحدى تعريفاته للإرادة:" الإرادة هي القوة التي ُتنبتُ النبات وتوجّه المغناطيس إلى القطب الشمالي... الإرادة هي القوة التي توجد في الجاذبية ذاتها...هذه الإرادة تظهر في كل قوة عمياء للطبيعة، وكذلك في سلوك الإنسان الإرادي، والفرق الهائل بين الاثنين لا يتعلق إلا بدرجة ظهورها لا بطبيعتها الباطنية."
هنا ستُطرح لدينا مشكلة منهجية، وتكمن في أخذ حيّز من الزمن لفهم الدلالة المعقّدة لمفهوم الإرادة لدى شوبنهاور. وأترك لكل مدرس السلطة التقديرية والاجتهاد في جعل التلميذ يفهم باقتصاد، أساس الهوية عند شوبنهاور والمتمثل في نوع خاص من الإرادة ليس شبيها بما راج عند سابقية أو ما يروج لدى العامة حول مفهوم الإرادة. لأنني غالبا ما أقرأ في الكتب التي تقدّم ملخصات للمجزوءات ما مفاده أن شوبنهاور يقول بالإرادة ولوك يقول بالشعور، دون أن نشرح السياق الفلسفي لكلا المفهومين في "النسق الفلسفي"!! لكلا الفيلسوفين.
بالمحصلة الإرادة التي يتحدث عنها شوبنهاور إرادة كلية تنبثّ في العالم كله والإنسان جزء منه، من هنا يتعلق الأمر بإرادة حياة ( ما دمنا نتحدث عن الشخص)هي التي تشكل نواة وجودنا ومن ثمة هويتنا، لكنها ليست إرادة منطقية أو عقلية (كما جاء هذا في النص أعلاه) بل إن لم تكن كذلك في بالضرورة اندفاع غريزي أعمى، أو قوة وطاقة مستبدة لا ضابط لها....
ونكون بهذه المحاولة قد قدمنا مُقترحا حول كيفية تعويد التلاميذ على قراءة النصوص الفلسفية بأنفسهم من خلال تتبّع حركيّة انتظام الاثباتات التي يتشكل منها كل نص، وكيف يتعالق إنتاج المعنى بالمفهمة والحجاج والأشكلة.
سألني البارحة أحد تلامذتي : كيف تقرأ نصيا فلسفيا وتفهمه قبل إفهامه لنا ؟
أكيد كان التلميذ يقصد القراءة التي تتتبّع طريقة الفيلسوف في بناء معنى النص، من خلال تنظيم المعنى في لغة تُعطي للنص وجوده وتثبته نهائيا في الكتابة.
ففكرتُ في اقتسام طريقتي في تملّك معنى النص من خلال طريقة بنائه، وهو ما نُطلق عليه البنية المنطقية للنص.
وقد سبق لي أن تداولتُ مع تلامذتي بشأن طريقة " هنري بينا رويز " في رهانات قراءة نص فلسفي ، وهي موجودة في أحد الأشرطة أعلاه، مع إضافة أن كل نص فلسفي هو عبارة عن مجموعة من الإثباتات تبنى معنى معينا من خلال أحكام يتم الحجاج عليها، أحكام تُوظف مجموعة من المفاهيم تؤسس لمنظور صاحب النص من القضية موضوع التفكير.
وسأشتغل على نص " شوبنهاور " : الهوية والإرادة ، كنموذج.
يبدأ النص بطرح سؤال:" على ماذا تتوقف هوية النص؟ يُمكن اعتبار هذا السؤال الإثبات الأول كونه يتضمن رهان النص، والمتمثل في البحث عن أساس هوية الشخص.كان من المفروض أن يُجيب صاحب النص مباشرة وبالإيجاب على السؤال،يمثل ما قام به "جون لوك" في النص السابق حين بدأ مباشرة بالإجابة : فالشخص هو ... ولكن شوبنهاور فضّل طريقة : التعريف بما ليس هو. بمعنى كان جوابه من خلال الإثبات الثاني :" ليس على مادة جسمه، فإن هذه تتجدد في بضعة أعوام، وليس على صورة هذا الجسم، لأنه يتغير في مجموعه وفي أجزائه المختلفة، اللهم في تعبير النظرة، وذلك أنه بفضل النظرة نستطيع أن نتعرّف شخصيا ولو مرت سنوات عديدة." يتضمن هذا الإثبات ثلاث عناصر دلالية تتقابل معها ثلاث حجج، دلالة هذه العناصر الثلاث تتمثل في نفي كون الجسد هو الأساس الذي تتوقف عليه هوية الشخص.من هنا نفى صاحب النص مرّتين مع تحفّظ واحد. النفي الأول تعلّق مادة الجسم، والنفي الثاني تعلّق بصورته، وهذين المعطيين لا يصلحان لأن يكونا هما ما تتوقف عليهما هوية الشخص، الحجة في ذلك أم مادة الجسم تتجدّد، وصورته تتغيّر في مجموع وأجزائه. العنصر الثالث يتعلق بالتحفّظ المعبّر عنه بلفظ " اللهم " والمتعلق بنظرة الجسد ( العين) التي قد تمثل عنصرا ثابتا في الشخص.
ثم ينتقل صاحب النص إلى الإثبات الثالث، :" وباختصار فإنه رغم كل التحولات التي يحملها الزمن إلى الإنسان، يبقى شيء لا يتغير، بحيث نستطيع بعد مُضي زمن طويل أن نتعرف عليه، وأن نجده على حاله، وهذا ما نلاحظه أيضا على أنفسنا. فقد نشيخ ونهرم، ولكننا نشعر في أعماقنا أننا ما زلنا كم كنا في شبابنا، بل حتى في طفولتنا. هذا العنصر الثابت الذي يبقى دائما في هوية مع نفسه دون أن يشيخ أو يهرم أبدا، هو يعينه نواة وجودنا الذي ليس في الزمان". وأسأل نفسي: ما الذي يقصده صاحب النص من هذا الإثبات؟ يبدو لي أنه يُبرّر كون الأصل في الهوية يكون ثابتا، ولهذا تمّ التذكير بالمقصود بالهوية- وهو لا يختلف من حيث المبدأ مع جون لوك-بمعنى آخر إذا كان الجسد في مادته وفي صورته يتجدد ممّا يعني غياب عنصر الثبات، فيجب أن نبحث عن هذا الثابث الذي يُشكل نواة وجودنا في غير الجسد. هنا كنا ننتظر من صاحب النص أن يُخبرنا بما هو هذا الثابث الذي تتوقف عليه هوية الشخص؟ لكنه في الإثبات الرابع سيعود إلى التعريف بما ليس هو، ليبدأ عنصر التشويق من جديد، وكأن صاحب النص عمد إلى طريقة " كنس " ما ليس أساس الهوية تمهيدا لفسح الطريق أمام ما يراه هو ما تتوقف عليه هوية الشخص، وكأني ثانيا بأن صاحب النص يُهدّم تمثلات القارئ حول أساس هويتنا. يقول:" وقد يرى عامة الناس أن هوية الشخص تتوقف على هوية الشعور، فإذا كنا نعني بهذه الذكرى المترابطة لمسار حياتنا، فإنها لا تكفي لتفسير الأخرى ( أي هوية الشخص)، وليس من شك أننا نعرف حياتنا الماضية أكثر مما نعرف عن رواية قرأناها ذات مرة، ورغم ذلك فإن ما نعرفه عن هذه الحياة قليل.فالحوادث الرئيسية والمواقف الهامة محفورة في الذاكرة، أما الباقي، فكل حادثة نذكرها تقابلها آلاف من الحوادث التي يبتلعها النسيان، وكلما هرمنا توالت الحوادث في حياتنا دون أن تخلف وراءها أثرا. ويستطيع تقدم السن أو المرض، أو إصابة في المخ أو حُمق أن يحرمنا كلية من الذاكرة" هذا الإثبات ينفي عن شيئين أساسين كونهما ما تتوقف عليهما هوية الشخص، ويُحاجج على هذا النفي الثاني في النص بعد نفي الجسد. يتعلق الأمر بالشعور والذاكرة. والحجج التي ساقها صاحب النص تتمثل في : النسيان، والتقدم في السن، والمرض، والإصابة في المخ، والحمق. وهذه تتناظر مع الجج المتعلقة بنفي الجسد كأساس للهوية: التجدّد والتغير في الأجزاء المختلفة للجسم. نفي الأمر بالنسبة للشعور والذاكرة والآفات التي تُصيبهما والمشار أليهما أعلاه.
أما الإثبات الرابع، فيمكن اعتباره بداية للإعلان عن أساس الهوية. الأول ( وسيأتي الإعلان الثاني في الفقرة الثالثة) يقول :" ومع ذلك فإن هوية الشخص لا يفقدها هذا الاختفاء المستمر للتذكر. إنها تتوقف على الإرادة التي تظل في هوية مع نفسها ، وعلى الطبع الثابت الذي تمثله(..) " أعتقد أن ما يودّ قوله صاحب النص هو وضع حدّ لحيرتنا بخصوص أساس هوية الشخص بعد استبعاد الجسد كمادة وصورة واستبعاد الشعور المُرفق بالذاكرة. السؤال : ما تبقى في الإنسان لنعدّه نواة وجودنا؟ وكيف نفهم أنه حتى في الحالات التالية : النسيان والتقدم في السن والمرض والإصابة في المخ والحمق، يبقى هناك أساس لا يتأثر بالعوامل السابقة؟ كان جواب صاحب النص هي مفهومين مركزيين : الإرادة، واعتبار هذه الإرادة طبعا ثابتا.
كنا ننتظر في الإثبات الخامس أن يشرح لنا صاحب النص مقصده من الإرادة كطبع ثابت هي ما يُشكل نواة وجودنا، وإذا به في الإثبات الثالث يرجع إلى طريقة التعريف بما ليس هو ( مع الإشارة إلى نقط الحذف بين الفقرتين مما يعني أن كلاما قيل ونجهل مضمونه) وهذه المرة سيكون الضحية : الذات العارفة. يقول في الإثبات الخامس :" ولا شك أننا قد تعوّدنا تبعا لعلاقاتنا بالخارج أن نعتبر الذات العارفة هي ذاتنا الحقيقة، ذاتنا العارفة التي تغفو في المساء ثم تستغرق في النوم، لتتألق في الغد تألّقا أقوى. ولكن هذه الذات ليست سوى وظيفة بسيطة للمخ، وليست هي ذاتنا الحقيقية" الحجة في عدم اعتبار الذات العارفة هي أساس هويتنا كونها تعرف الغفوة والنوم.هنا تنضاف الذات العارفة إلى قائمة : الجسد والشعور والذاكرة..
أما في الإثبات السادس والأخير فسيتم التصريح الثاني بأطروحة النص والمتمثل في هذا الذي تتوقف عليه هوية الشخص بعد أنا أشار إليه في الإثبات الرابع.يقول:" أما هذه، التي هي نواة وجودنا، فهي التي تختفي وراء الأخرى، وهي التي لا تعرف في قراراتها غير سيئين: أن تريد أو لا تُريد" يتضمن هذا الإثبات دلالة جديدة تتمثل في كون الإرادة هي المحرّك الخفي للذات العارفة.
ومع ذلك فالنص الذي بين أيدينا لا يتضمن تعريف شوبنهار لمفهوم الإرادة ، وهذا عيب اقترفته لجنة التأليف، وستجدون نصا لشوبنهاور في الشريط أعلاه حول مفهوم الإرادة عند شوبنهاور.
هذه الطريقة الأولية في تلمّس معنى النص تُساعدني على ضبط بناء معناه انطلاقا من المشكلة المطروحة والحجاج الموظفة والبنية المفاهيمية المُشكلة لعمران الأطروحة.
بعد هذه القراءة التشخيصية، تأتي مختلف مستويات القراءات الأخرى ...
ولو تعوّد التلميذ على القراءة التشخيصية المتتبعة لطريقة بناء النص لمعناه ، لن يجد صعوبة في الامتحان الوطني أولا أي لحظة تحليل النص....، ثم تعويد ذاته على إنتاج المعنى في علاقته مع غيره بطريقة منظمة ومترابطة، وفي ترابط اللغة مع الفكر ننتمي إلى الوجود البشري.
سألني التلميذ أحد التلاميذ :لماذا لم أناقش قضية التشاؤم ومفهوم الشر والسعادة عند شوبنهاور؟ أدركتُ فورا أن التلميذ اطلع على تقديم النص من طرف لجنة التأليف والذي بالطبع تمت قراءته كتقديم للنص دون الوقوف عليه بالتفصيل حتى لا نقضي على رغبة التلميذ في الأشكلة والكشف المبكر عن رهان النص. نقرأ في التقديم:ينظر شوبنهاور إلى الإنسان بوصفه إرادة في الحياة، محكوما عليه بالشقاء والتعاسة. فالشخص لا يخضع في حياته لقوانين، بل يخضع لإرادة عبثية تتجاوزه وتتجلى في رغباته، ومن ثمة فإن هوية الشخص تتحدد بالإرادة."
نعلم جميعا كمدرسين للفلسفة أن التلميذ على اطلاع بطريقة ما بمذهب الفيلسوف( ويحمل بصددهم " إتيكيتات" من مثل " شوبنهاور المتشائم"، بل وعلى اطلاع بإنجازات دروس لمدرسين مختلفين، منهم من يسجن مقاربته في ما هو مدرسي ومنهم من يتوسّع في تفسير فلسفة الفيلسوف كلّما أتيحت له الفرصة.
بالمحصّلة، أخاف من شيئين:
1- أن نتعامل مع النصوص الفلسفية كنصوص للمطالعة مفصولة عن سياقها الفلسفي، وتتم معالجتها بنيويا بدريعة أنها تُوظّف للإجابة على إشكال محدد.
2- أن - نلوي عنق النص- ونتيه به في أمواج بحر النسق الفلسفي بعيدا عن سؤال رهانه ضمن المجزوءة كنص وظيفي.
لا أغمز هنا إلى حل الثالث المرفوع لاستحالته، ولكن يبقى السؤال مطروحا:كيف الحفاظ على philophocité النص الفلسفي أمام التحليل الوظيفي أو التقنوي في تقاطعه مع رهانات الديداكتيكي وبيداغوجية الكفايات
وللإنفتاح على البعد الفلسفي للنص الفلسفي، ارتأيتُ تقديم دعامات معرفية تتعلق بكل فياسوف على حدة، في أفق استفادة المدرس الجديد والتلميذ من ما قد يبدو لهما ضروريا في فهم بعض القضايا التي يُثيرها النص. وبخصوص تساؤل التلميذ بخصوص مفهوم التشاؤم عند شوبنهاور وعلاقته بالإرادة، فضّلتُ استحضار شرح الفيلسوف " برتراند راسل " لجزء من فلسفة شوبنهاور، ومن النادر أن تجد فيلسوفا يكتب شارحا فلسفة فيلسوف آخر. يقول برتراند راسل في كتابه" حكمة الغرب. الفلسفة الحديثة" عالم المعرفة ع 365. ت فؤاد زكريا. :"ولقد نظر شوبنهاور إلى هذه الإرادة على أنها في أساسها شريرة، ومسؤولة عن العذاب الذي يرتبط حتما بالحياة.وفضلا عن ذلك فإن المعرفة ليست، كما هي عند هيجل، منبعا للحرية، وإنما هي مصدر للعذاب. وهكذا فبدلا من تلك النزعة التفاؤلية التي تتسم بها المذاهب العقلانية، سادت لدى شوبنهاور نظرة تشاؤمية لا مكان فيها للسعادة. أما الجنس فكان بدوره عملية شريرة، لأن كل ما يفعله التناسل هو أنه يقدم ضحايا جدد للألم والعذاب. ولقد ارتبط هذا الرأي بكراهية شوبنهاور للمرأة، إذ كان يعتقد أن المرأة تؤدي في هذا الصدد دورا أكثر تعمدا من دور الرجل.
والواقع أنه لا يوجد سبب منطقي يجعل نظرية المعرفة الكانطية ترتبط على هذا النحو بنظرة تشاؤمية إلى العالم، وكل ما في الأمر أن شوبنهاور نفسه لم يكن ، بحكم مزاجه، قادرا على أن يكون سعيدا، ومن ثمة فقد بدأ العالم يعترف بمؤلفاته، وأصبحت أحواله المادية أفضل إلى حدّ ما، مما أدى به إلى التحوّل فجأة نحو مزيد من المرح، على الرغم من نظريته (!!!!)
ولقد رأى شوبنهاور أن حلّ هذا الوضع الأليم ينبغي أن يُلتمس في الأساطير البوذية. فما يُيبّبب الألم فينا هو ممارستنا للإرادة بعينها، ومن ثم فإننا نستطيع، عن طريق تخدير الإرادة، أن نصل في النهاية إلى " النرفانا" أي العدم. فالغيبوبة الصوفية تجعلنا تخترق حجاب " المايا" الذي يرمز إلى الوهم والبطلان. وهكذا نستطيع أن نرى العالم على أنه واحد، وبعد ن نكتسب هذه المعرفة، نقهر الإرادة. غير أن معرفة الوحدة لا تؤدّي في هذه الحالة إلى الله، كما هي الحال لدى الصوفية الغربيين من أمثال " إكهارت" كما أنها لا تؤدي إلى الاتحاد بعالم " إسبينوزا" الذي كان هو والله شيئا واحدا، بل إن الاستبصار بالكل، والتعاطف مع ألمه وعذابه، ويُزوّدنا- على العكس من ذلك- بمهرب إلى العدم."
وأعيد طرح السؤال كيف لمدرس الفلسفة أن ينفتح على مختلف الأبعاد الفلسفية المتضمنة في النص دول جعلها تُسقط بدون مبرر؟.
وأخيرا هل يمكن الجزم بأن كل من ديكارت ولوك وشوبنهاور يُقرون بوجود :أساس (وحده. ديكارت) ومُكوّن (جون لوك) وأساس تتوقف عليه الهوية (شوبنهاور)...بينما سجموند فروي قال بأن هوية الشخص مُركّبة ودينماية وليست مُعطاة وثابثة.(مع ضرورة الوعي بتوظيف مفهوم الشخص وليس مفهوم الشخصية كما يطرحها فرويد ضمن منظور التحليل النفسي، مُتجاوزين أسطورة كون مفهوم الشخص حق فلسفس، والشخص حق العلوم الإنسانية) يقول فرويد:
"إن فرضية اللاوعي ضرورية لأن معطيات الوعي ناقصة جدا. ذلك أنه كثيرا ما تحدث لدى الإنسان السوي والمريض على حد سواء جملة من الأفعال النفسية التي تستلزم، من أحل تفسيرها، أفعالا نفسية أخرى لا تحظى باعتراف الوعي..إن هذه الأفعال النفسية اللاواعية لا تتمثل فحسب، في الهفوات والأحلام عند الإنسان السوي ، وكل ما نسميه بالأعراض النفسية والظواهر القسرية بالنسبة للإنسان المريض، بل إن تجربتنا اليومية الأكثر حميمية تضعنا أمام أفكار تخطر لنا من غير أن نعرف مصدرها أي أمام خلاصات تفكير تظل عمليات إنشائها وتمثلها خفية عنا ..إن كل هذه الأفعال الواعية تظل مفككة وغير قابلة للفهم، إذا ما أصررنا على الزعم بأنه ينبغي أن ندرك عن طريق الوعي كل ما يجري فينا من أفعال نفسية."( سجموند فرويد .Métapsychologie)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo.forumarabia.com
 
من تجليات ومسار الأشكلة في الدرس الفلسفي.
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فيلوصوفيا :: الفلسفة :: مشاريع دروس فلسفية من إنجاز الأستاذ كمال صدقي-
انتقل الى: